فوزي آل سيف
72
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
فقد روى ابن حمزة في الثاقب عنه رواية أخفى هو بعض تفصيلاتها ولكنها تفضح هذا الوالي وخليفته فيما يرتبط بمحاولة الاغتيال فقال الرخجي هذا: «سمعت من أبي جعفر شيئاً لو رآه محمد أخي لكفر! فقلت: وما هو أصلحك الله؟ قال: إني كنت معه يوماً بالمدينة إذ قُرِّب الطعام فقال: أمسكوا. فقلت: فداك أبي، قد جاءكم الغيب؟ فقال: عليَّ بالخبَّاز، فجيء به فعاتبه وقال: من أمرك أن تسُمَّني في هذا الطعام؟ فقال له: جُعلتُ فداك، فلان! ثم أمر بالطعام فرُفع، وأتي بغيره»[169]! لكن هذه المحاولة الفاشلة لم توقف مسلسل المحاولات الأخرى، ونعتقد أن وجود عدة روايات في كيفية التسميم ناظر إلى تعدد المحاولات فكل رواية تنقل محاولة من المحاولات، فإحداها كانت بمباشرة المعتصم نفسه عندما أرسل إليه شراب حماض مسموم، وأخرى بواسطة زوجته أم الفضل حينما سمته في عنب رازقي. فالأولى ما رواها ابن شهر اشوب من أن المعتصم بعد أن استجلب الإمام الجواد من المدينة المنورة، وتظاهر بإكرامه، «ثم أنفذ إليه شراب حماض الأترج تحت ختمه على يدي أشناس (معاون المعتصم العسكري وغلامه التركي)، فقال: إن أمير المؤمنين ذاقه قبل أحمد بن أبي دؤاد، وسعد بن الخصيب وجماعة من المعروفين، ويأمرك أن تشرب منه بماء الثلج، وصنع في الحال»[170]. فقال: أشربها بالليل. قال: إنه ينفع بارداً، وقد ذاب الثلج. وأصر على ذلك فشربها»[171] ونعتقد أن الرواية الثانية هي الأحرى بالقبول لتعرضها إلى أكثر من جانب فهي تنسب الأمر إلى اجتماع الثلاثة: المعتصم وابن أخيه جعفر، وابنة أخيه أم الفضل، وهي الأكثر تفصيلاً، وتذكر نهايتها أن الإمام عليه السلام أكل من ذلك العنب المسموم، وتشير إلى دعاء الإمام عليها ببلاء لا ينستر، والمعتاد أن يُلجأ إلى أكثر الطرق سرية وكلما كان الأمر بين الزوجين فهو أدعى للسر بخلاف ما إذا كان من خلال البلاط حيث يمر الأمر بأشخاص متعددين من حضور وموظفين يتناقلون بينهم الكلام.. كما أن مضمونها قد ورد في دلائل الإمامة للطبري، وعيون المعجزات.
--> 169 الطوسي؛ ابن حمزة: الثاقب في المناقب 517: ويقصد أخاه محمدا بن الفرج وكان من الموالين المخلصين للإمام الجواد بعكسه هو الذي كان من ولاة السلطة العباسية وأعداء أهل البيت، ويزعم بأن علم الإمام بأن الطعام مسموم سيجعل أخاه يغلو في الإمام ويكفر بذلك. وقد كشف الإمام في نفس هذه الرواية أن هناك من أمر الخباز الذي صنع الخبز بجعله مسموما، ومن البعيد أن يكون أحد يقوم بهذا العمل وهو غير مرتبط بالسلطة، ولهذا نعتقد أن عمر الرخجي قد أخفى أسماء المتآمرين. وبالطبع لم يحصل لهم أي مساءلة أو تعقب! 170 هناك احتمال أن تكون هذه الرواية شارحة لما رواه العياشي في التفسير ١/٣٢٧عن زرقان في تتمة خبر ابن أبي دؤاد القاضي حيث قال بعده: «.. فأمر يوم الرابع فلانا من كتاب وزرائه بأن يدعوه إلى منزله فدعاه فأبى ان يجيبه، وقال: قد علمت اني لا أحضر مجالسكم، فقال: اني إنما أدعوك إلى الطعام وأحب ان تطأ ثيابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك وقد أحب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك فصار إليه، فلما أطعم منها أحس السم فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن يقيم، قال: خروجي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك وليلة في خِلْفةٍ (يختلف لبيت الخلاء) حتى قبض صلى الله عليه وآله». 171 شهراشوب: المناقب 3/ 491